U3F1ZWV6ZTE0NjE0NjM0MzkxNTI2X0ZyZWU5MjIwMTc1MTE0MDMx

المرأة تحت قبضة العنف: صراخ بلا صوت وآثار نفسية تمتد لسنوات

 المرأة تحت قبضة العنف: صراخ بلا صوت وآثار نفسية تمتد لسنوات

مقدمة

تشكل قضية العنف ضد المرأة واحدة من أخطر القضايا النفسية والاجتماعية التي تواجه المجتمعات حول العالم، إذ لا تقتصر آثارها على الإصابات الجسدية فحسب، بل تمتد إلى الصحة النفسية، والثقة بالنفس، والاستقرار الأسري والمجتمعي. وفي هذا المقال تستعرض الباحثة د. هند الفقي الأسباب النفسية والاجتماعية التي تقف وراء التعنيف، وكيف يسهم الصمت المجتمعي في استمراره، إضافة إلى أبرز الآثار التي يتركها على المرأة وأهمية بناء ثقافة تحمي الإنسان قبل أن تعالج نتائج العنف.

تعرف على أسباب العنف ضد المرأة وآثاره النفسية والاجتماعية، وكيف يسهم الصمت المجتمعي في استمرار دائرة التعنيف وطرق مواجهتها.

بقلم/ د. هند الفقي
ماجستير إرشاد نفسي

المرأة تحت قبضة العنف

تعنيف المرأة لا يعتبر مجرد سلوك عنيف إنما بيئة نفسية واجتماعية كاملة تعيد تشكيل وعيها وتهز ثباتها واستقرارها الداخلي.

تشير الإحصاءات الحديثة لمنظمة الصحة العالمية إلى أن 33.5٪ من النساء المصريات تعرّضن لعنف من شريك حياتهن مرة واحدة على الأقل، وأن 7.8 مليون امرأة في مصر تتعرض سنويًا لأشكال مختلفة من العنف (UNFPA Egypt، 2024). هذه الأرقام لا تعكس مجرد ظاهرة فقط، بل تعكس ألمًا يُعاش يوميًا خلف أبواب مغلقة.

العنف ضد المرأة لا يبدأ بخلاف ولا ينشأ من "سوء تفاهم" كما يُقال أحيانًا، بل هو في جوهره سلوك نابع من رغبة الرجل في السيطرة وإحكام القبضة على الطرف الأضعف في العلاقة. فالرجل المعنِّف لا يُعنف لأنه غاضب… بل لأنه يرى نفسه صاحب سلطة مطلقة ويؤمن أن من حقه فرض هذه السلطة بالقوة.

هذا النوع من العنف له جذور نفسية عميقة منها:

  • احتياج غير ناضج لإثبات القوة والهيمنة.
  • خوف داخلي من فقدان السيطرة فيلجأ للعنف كتعويض.
  • رؤية مشوهة للرجولة تعتبر العنف والتحكم سلوكًا طبيعيًا.
  • الاعتقاد بأن المرأة كائن يجب "تقويمه" أو "تطويعه" وليس شريكًا مساويًا في الحقوق والواجبات.

ولهذا فالعنف ليس حادثًا فرديًا، بل بنية داخلية وتكوين شخصي يدفع المعتدي لاستخدام الترهيب والإيذاء كوسيلة لإثبات تفوقه وإحكام سيطرته على المرأة جسديًا ونفسيًا وعاطفيًا وأحيانًا ماديًا.

هذه التفاعلات تجعل العلاقة غير صحية، وتدخل المرأة مع الوقت في دوامة خضوع قسري.

التطبيع الاجتماعي لتعنيف المرأة (الصمت كـ"فضيلة" والتحمل كـ"نضج")

العنف ضد المرأة لا يحدث من فراغ اجتماعي، بل غالبًا ما يتم تغذيته ودعمه من خلال تطبيع المجتمع له. ووفقًا لتقارير هيئة الأمم المتحدة للمرأة (UN Women)، هناك أعراف وسلوكيات اجتماعية تُفرض على المرأة الصمت والتحمل باعتبارهما جزءًا طبيعيًا من الحياة الزوجية.

الصمت فضيلة

المرأة التي تتعرض للعنف يُتوقع منها ألا تُظهر ألمها أو تتحدث عنه، وكأن الصمت دليل على احترام البيت أو الحفاظ على الأسرة.

التحمل نضج

يُنظر إلى التحمل والاستمرار رغم الألم على أنه دليل قوة ونضج، وليس مؤشرًا على غياب الحماية والدعم.

كيف يساهم هذا التطبيع في استمرار العنف؟

1- غطاء اجتماعي للمعتدي

حين يشاهد المجتمع المرأة صامتة ولا يواجه المعتدي، يشعر الأخير أن سلوكه مقبول اجتماعيًا، مما يزيد من احتمالية استمرار العنف.

2- تعزيز الخوف بدل الشعور بالأمان

تتعلم المرأة أن طلب المساعدة سيقابل بالنقد أو اللوم، فتزداد عزلتها النفسية.

3- تثبيت دورة العنف

حين يصبح التعنيف أمرًا "طبيعيًا"، تتراجع فرص التدخل المبكر، ويستمر الأذى النفسي والجسدي لفترات طويلة.

والنتيجة أن المرأة تصبح محاصرة بين الخوف من المعتدي والخوف من المجتمع، فتستمر العلاقة المؤذية رغم ما تسببه من معاناة.

وباختصار، فإن التطبيع الاجتماعي للعنف لا يكتفي بقبول الألم، بل يحول التعنيف إلى واقع مسكوت عنه.

تأثير التعنيف على المرأة

1- اضطراب الجهاز العصبي

المرأة المعنفة تعيش في حالة يقظة مفرطة (Hypervigilance)، فيظل الجسم في حالة استعداد دائم للخطر، مما يؤدي إلى:

  • نوبات هلع.
  • أرق.
  • إرهاق مزمن.
  • اضطرابات في الشهية والأكل.

2- اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)

العنف النفسي قادر على إحداث صدمات قد تكون أشد من آثار العنف الجسدي.

ويتضمن هذا النوع من العنف:

  • الإهانة المستمرة.
  • التحقير.
  • التهديد.
  • التحكم في تفاصيل الحياة.
  • الإذلال أمام الآخرين.
  • التلاعب العاطفي.

وتؤكد الدراسات النفسية الحديثة أن الإذلال المتكرر قد يترك آثارًا بعيدة المدى على تقدير الذات، والعلاقات الاجتماعية، واتخاذ القرار.

3- تآكل الهوية وتقدير الذات

العنف النفسي يدمر الثقة بالنفس تدريجيًا، فتبدأ المرأة في التشكيك بقدراتها، وتشعر بالذنب والخجل بصورة مستمرة، مما يجعلها أكثر قابلية للخضوع.

4- خلق اعتماد نفسي على المعتدي

ينشأ ما يعرف بـ Trauma Bond، وهو ارتباط نفسي معقد يجعل الضحية مرتبطة بمن يؤذيها، فيصبح الانفصال أكثر صعوبة رغم إدراكها لحجم الضرر.

كما أن غياب العلامات الجسدية الظاهرة في حالات العنف النفسي يجعل اكتشافه والتعامل معه أكثر تعقيدًا.

تعنيف المرأة ليس حدثًا عابرًا، بل زلزال نفسي واجتماعي وروحي يصنع دوائر من الألم تمتد لسنوات، وحماية المرأة ليست مسؤوليتها وحدها، بل مسؤولية المجتمع والقانون والثقافة.

خاتمة

إن مكافحة العنف ضد المرأة لا تقتصر على سن القوانين أو معاقبة المعتدين، بل تبدأ بتغيير الثقافة التي تبرر التعنيف أو تفرض على الضحية الصمت. فكل امرأة تستحق أن تعيش في بيئة آمنة تحفظ كرامتها وحقوقها، وكل مجتمع يسعى إلى التقدم الحقيقي لا يمكنه أن يتجاهل معاناة نصف أفراده. إن نشر الوعي، وتقديم الدعم النفسي، وتشجيع الضحايا على طلب المساعدة، هي خطوات أساسية نحو مجتمع أكثر عدلًا وإنسانية، حيث تصبح الحماية حقًا لا امتيازًا، ويصبح الأمان قيمة يعيشها الجميع لا شعارًا يُردد.




اقرأ أيضًا



الكلمات المفتاحية

  • العنف ضد المرأة
  • تعنيف المرأة
  • العنف النفسي
  • آثار العنف ضد المرأة
  • الصحة النفسية للمرأة
  • اضطراب ما بعد الصدمة
  • العنف الأسري
  • حماية المرأة
  • العنف المجتمعي
  • الدعم النفسي
  • حقوق المرأة
#العنف_ضد_المرأة
#تعنيف_المرأة
#العنف_النفسي
#الصحة_النفسية
#العنف_الأسري
#اضطراب_ما_بعد_الصدمة
#حقوق_المرأة
#حماية_المرأة
#الوعي_المجتمعي
#الدعم_النفسي
#العلاقات_غير_الصحية
#الصدمات_النفسية
#المرأة
#علم_النفس
#الإرشاد_النفسي
#هند_الفقي
#منصة_بذور


تعديل المشاركة
author-img

Bozooor بذور

منصة بذور Bozooor هي منصة ثقافية، تعليمية، وتنموية تهتم بنشر العلم والمعرفة في مختلف المجالات: أدب، تاريخ، جغرافيا، طب، صحة نفسية، لغات، قانون، تأملات... إلخ. وذلك لكل الفئات في مصر والوطن العربي. وتسعى لأن تكون منصة رائدة في الحفاظ على التراث وتوليد المعرفة ونشر الثقافة والعلم، ورفع الوعي بين الشباب والكبار وتعزيز قيم المواطنة، الاحترام والتسامح، العدل والمساواة وعدم التمييز، ومناهضة العنف بكل أشكاله وأنواعه سعيًا نحو الارتقاء بالإنسان المصري والعربي في كل مكان.
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

هنا نستقبل تعليقاتكم وآرائكم
شكرًا لكم

الاسمبريد إلكترونيرسالة