U3F1ZWV6ZTE0NjE0NjM0MzkxNTI2X0ZyZWU5MjIwMTc1MTE0MDMx

من يوميات موظف مقهور (3): كيف تدفع بيئة العمل السامة الموظف إلى الانكسار؟

 من يوميات موظف مقهور (3): عندما يتحول العمل إلى مصدر للقهر النفسي


في الجزأين السابقين من سلسلة "من يوميات موظف مقهور" تناولت بعض النماذج الواقعية التي تكشف كيف يمكن للإدارة السامة والنفاق الوظيفي وسوء استخدام السلطة أن يتركوا آثارًا عميقة في حياة الموظفين. وبين الحين والآخر تعود إلى الواجهة قصص مؤلمة تذكرنا بأن بيئة العمل ليست مجرد مكان لكسب الرزق، بل مساحة يقضي فيها الإنسان جزءًا كبيرًا من عمره ويتأثر بها نفسيًا وإنسانيًا.

وقد أعادت إلى ذهني قصة الموظف الذي أنهى حياته بعد معاناة طويلة مع الضغوط النفسية والمهنية، وهي قصة تداولتها وسائل الإعلام على نطاق واسع. وبغض النظر عن جميع الملابسات والتفاصيل، فإنها تفتح بابًا مهمًا للحديث عن تأثير القهر الوظيفي والإدارة غير الإنسانية في حياة العاملين.

يتناول المقال تأثير بيئة العمل السامة والقهر الوظيفي على الصحة النفسية للموظفين خلال تأملات وتجارب شخصية وقصيدة تعبر عن رفض الاستغلال والظلم في العمل.
بقلم/ د. أسامة رمزي - استشاري تنمية وتعليم

كيف تقاوم؟

فكثير من الموظفين لا يعانون فقط من ضغوط العمل أو التحديات الاقتصادية، بل يواجهون أيضًا مشكلات مرتبطة بطريقة تعامل بعض المديرين معهم، وما يصاحب ذلك من تهميش أو استغلال أو تقليل من القيمة المهنية والإنسانية.

وقد دفعتني هذه الأفكار إلى استعادة بعض ما كتبته قبل سنوات، حين حاولت أن أقاوم آثار تلك التجارب بالكلمة والكتابة، وأن أبحث عن مساحة من الحرية النفسية بعيدًا عن القيود التي تفرضها بعض بيئات العمل غير الصحية.

عندما يصبح المدير جزءًا من المشكلة

سبق أن تناولت في مقال سابق بعنوان "حكايات مع المنافقين" نماذج من الشخصيات التي تصل إلى مواقع إدارية ليس بسبب الكفاءة أو الخبرة، بل بسبب قدرتها على التملق وإرضاء أصحاب السلطة.

ومع مرور الوقت يصبح هؤلاء جزءًا من منظومة تؤذي الموظفين وتحد من فرص تطورهم، لأن وجود أصحاب الكفاءة الحقيقية قد يهدد مواقعهم ومصالحهم.

والمشكلة لا تكمن فقط في ضعف الكفاءة الإدارية، بل في استخدام السلطة لإحباط الآخرين وإشعارهم بأنهم أقل قيمة أو أقل قدرة على النجاح.

ومن أخطر نتائج هذه الممارسات أنها تخلق شعورًا مستمرًا بالعجز والإرهاق النفسي، خاصة لدى الأشخاص المجتهدين الذين يبذلون جهدًا حقيقيًا في أعمالهم.

الكتابة كوسيلة للمقاومة

على امتداد سنوات العمل، اكتشفت أن بعض التجارب لا يمكن التعامل معها بالصمت وحده.

فحين يشعر الإنسان بالظلم أو التهميش أو القهر، يبحث بطبيعته عن وسيلة للتعبير عما بداخله.

البعض يلجأ إلى الحوار، والبعض يختار الرحيل، وآخرون يجدون في الكتابة مساحة آمنة لاستعادة التوازن النفسي.

بالنسبة لي كانت الكتابة واحدة من أدوات المقاومة السلمية.

لم تكن وسيلة للانتقام من أحد، بل محاولة لفهم الواقع والتعبير عن المشاعر وتحويل الألم إلى كلمات يمكن أن تمنح صاحبها قدرًا من الراحة والوضوح.

ولهذا كتبت منذ سنوات هذه القصيدة التي حملت عنوان:


من أجل نفسي... لا

(بقلم د. أسامة رمزي)

********


يخدعونك دائمًا!

تارةً باسم الحب يأخذون نفسك،

وتارةً باسم الإنسانية يأخذون وقتك، وجهدك، وقلبك،

وتارةً باسم النجاح، وهم يتمنون ويسعون لفشلك إذا ما كان النجاح نجاحك،

وليس نجاحًا لهم،

وإذا ما كان الضوء مُسَلَّطًا نحوك، وليس حولهم

وتارةً باسم الإرادة، أو العزيمة، أو التقدم

وغالبًا باسم “السُلطة” حيث “حسنة وأنا سيدك،

دائمًا يخدعونك بجميل كلامهم، وسحر منطقهم،

العصا معلقةٌ في آخرها الجزرة

لا أنت تطالها حتى تأكلها،

ولا أنت ترى العصا حتى تتجنب ضرباتها

دائمًا يخدعونك،

ويعيشون، ويتعايشون على خديعتك

لا شيء هم، وأنت

كل شيء بالنسبة لوجودهم "الآن"

وإذا ما انتهى هذا "الآن"

أنت انتهيت بالنسبة "لهم أو لهن"

يرسمون ابتساماتهم من عرق جبينك

ويتلفحون وقت العواصف بساعدك

يأكلون بأفكارك،

ويشربون من نهر عينيك ضيائك وبهائك

يتنفسون اقتراحاتك ثم

يؤكدون لك أنها لهم، وما تسمعه أو تراه

ليس إلا أوهامك

أنت، يجب أن تكون حيث أنت

مهما استطالت أو استعرضت مهاراتك، وقدراتك

وبقيت إمكاناتهم محدودة

مهما حاباك الله من لدنه بمواهب

ومواهبهم أصبحت غير مُستعملة ولا موجودة

مهما علت هامتك،

وهاماتهم لمكانها في الأسفل صارت مشدودة

أنت أنت

وهم هم

يصنعون منك ما يشاءون

وإن حاولت أنت

أن تصنع من نفسك ما شئت،

وأن تكون كيفما جُعلت

تحتك الأتون المحمى يكون

وحولك السهام من معظم العيون

عيونهم هم، وعيون من هم مثلك، لكنهم

تارةً "الخائفون"

وتارةً "المراؤون والمنافقون"

وتارةً "المتسلقون" في الفراغ

الذين لا هم لأعلى واصلون

ولا في الأسفل –حيث مكانهم- قابعون،

وتارةً "الغيورون"

هؤلاء الذين ليس لديهم شيء

-لكنهم-

لتحطيم ما لديك راغبون

وتارةً "الصامتون"

من لا حول لهم ولا قوة

استمرأوا الأوجاع، واعتادوا الوهم

قيل لهم: لا تستطيعون

                           فما استطاعوا قبلاً، ولن -فيما بعد-وميات موظف مقهور

يستطيعون

الحال مآله -في الأعمال- إلى الجنون

ثورةٌ سوف تطاله مهما مضت الأيام أو السنون

يكفيهم ما كانوا فيه بنشر الوهم

فالوهم سوف يحطمه – يومًا – من قد يقولون عنه أنه "المجنون"

وإنَّهم غدًا لسوف يتذكرون

سوف يتذكرون

*********************


ماذا تكشف هذه القصيدة؟

تعبر القصيدة عن مجموعة من المشاعر التي يمر بها كثير من العاملين في بيئات العمل السامة.

فهي تتحدث عن:

  • استغلال الجهد الشخصي لصالح الآخرين.

  • سرقة الأفكار ونسب الإنجازات إلى غير أصحابها.

  • استغلال السلطة لتحقيق مكاسب شخصية.

  • الخوف والصمت الذي يسيطر على بعض الموظفين.

  • تأثير النفاق والتسلق الوظيفي في المؤسسات.

كما تعكس رغبة الإنسان في الحفاظ على كرامته واستقلاله النفسي مهما كانت الضغوط التي يتعرض لها.

ورغم أن القصيدة كُتبت في سياق شخصي، فإن كثيرًا من العاملين قد يجدون فيها مشاعر وتجارب عاشوها بأنفسهم في مراحل مختلفة من حياتهم المهنية.

لماذا يجب أن نهتم بالصحة النفسية في العمل؟

أثبتت دراسات عديدة أن بيئة العمل تؤثر بصورة مباشرة في الصحة النفسية والإنتاجية والرضا الوظيفي.

فالموظف الذي يشعر بالتقدير والاحترام والعدالة يكون أكثر قدرة على الإبداع والعطاء.

أما الموظف الذي يتعرض باستمرار للإهانة أو التهديد أو التهميش، فقد يعاني من:

  • التوتر المزمن.

  • القلق.

  • فقدان الدافعية.

  • الاحتراق الوظيفي.

  • ضعف الثقة بالنفس.

ولهذا أصبحت المؤسسات الحديثة أكثر اهتمامًا ببناء بيئات عمل صحية تقوم على الاحترام والتواصل والشفافية.

خاتمة

قد تختلف تفاصيل التجارب المهنية من شخص إلى آخر، لكن تبقى هناك حقيقة واحدة لا تتغير: الإنسان ليس آلة إنتاج، والموظف ليس مجرد رقم في سجل الموارد البشرية.

فالاحترام والعدالة والتقدير ليست رفاهية داخل المؤسسات، بل عناصر أساسية لبناء بيئة عمل صحية ومستقرة.

ومن خلال هذه السلسلة لا أسعى إلى سرد مواقف شخصية، بل إلى تسليط الضوء على قضايا يعيشها كثير من الموظفين بصمت، وإلى التأكيد على أن الكرامة المهنية والصحة النفسية لا تقل أهمية عن الراتب أو المنصب.

وربما تبقى بعض الذكريات المؤلمة عالقة في الذاكرة، لكن الأهم أن تتحول إلى دروس تساعدنا على بناء مؤسسات أكثر إنصافًا، ومديرين أكثر وعيًا، وبيئات عمل تمنح الإنسان فرصة للنجاح دون أن يدفع ثمن ذلك من راحته النفسية أو كرامته.






اقرأ أيضًا




كلمات مفتاحية

  • بيئة العمل السامة
  • القهر الوظيفي
  • الضغط النفسي في العمل
  • موظف مقهور
  • الصحة النفسية في العمل
  • الإدارة السامة
  • التنمر الوظيفي
  • استغلال الموظفين
  • ضغوط العمل
  • العدالة الوظيفية
  • الاحتراق الوظيفي
  • العلاقات المهنية
  • المدير السيئ
  • حقوق الموظف
  • بيئة العمل الصحية
  • الاستقلال المهني

#من_يوميات_موظف_مقهور
#بيئة_العمل_السامة
#القهر_الوظيفي
#الصحة_النفسية_في_العمل
#الاحتراق_الوظيفي
#ضغوط_العمل
#الإدارة_السامة
#التنمر_الوظيفي
#المدير_السيئ
#العلاقات_المهنية
#حقوق_الموظف
#العدالة_الوظيفية
#الكرامة_المهنية
#الرضا_الوظيفي
#استغلال_الموظفين
#الصحة_النفسية
#تطوير_بيئة_العمل
#القيادة_والإدارة
#إدارة_الموارد_البشرية
#التطوير_المهني
#السلوك_التنظيمي
#علم_النفس_الوظيفي
#بذور_الإدارة
#بذور_علم_النفس

#بذور

#مدونة_بذور

#منصة_بذور


تعديل المشاركة
author-img

Bozooor بذور

منصة بذور Bozooor هي منصة ثقافية، تعليمية، وتنموية تهتم بنشر العلم والمعرفة في مختلف المجالات: أدب، تاريخ، جغرافيا، طب، صحة نفسية، لغات، قانون، تأملات... إلخ. وذلك لكل الفئات في مصر والوطن العربي. وتسعى لأن تكون منصة رائدة في الحفاظ على التراث وتوليد المعرفة ونشر الثقافة والعلم، ورفع الوعي بين الشباب والكبار وتعزيز قيم المواطنة، الاحترام والتسامح، العدل والمساواة وعدم التمييز، ومناهضة العنف بكل أشكاله وأنواعه سعيًا نحو الارتقاء بالإنسان المصري والعربي في كل مكان.
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

هنا نستقبل تعليقاتكم وآرائكم
شكرًا لكم

الاسمبريد إلكترونيرسالة