U3F1ZWV6ZTE0NjE0NjM0MzkxNTI2X0ZyZWU5MjIwMTc1MTE0MDMx

من يوميات موظف مقهور (2): 3 دروس قاسية تعلمتها من أسوأ المديرين في حياتي المهنية

 من يوميات موظف مقهور (2): 3 دروس قاسية تعلمتها من أسوأ المديرين في حياتي المهنية


في الجزء الأول من سلسلة "من يوميات موظف مقهور" تناولت بعض النماذج التي تكشف كيف يمكن للنفاق الإداري وسوء القيادة أن يفسدا بيئة العمل ويؤثرا في حياة الموظفين. وجاءت الأحداث المأساوية التي شهدتها بعض المؤسسات، ومنها قصة الموظف الذي أنهى حياته بعد معاناته من الضغوط النفسية والتوبيخ المستمر (القصة التي تكررت كثيرًا في القطاعين الخاص والعام)، لتعيد إلى الواجهة سؤالًا مهمًا:

إلى أي مدى يمكن أن يؤثر المدير السيئ في حياة من يعملون معه؟

الحقيقة أن بيئة العمل لا تتحدد فقط بالرواتب أو اللوائح أو المكاتب الحديثة، بل تتشكل بدرجة كبيرة من خلال أسلوب الإدارة وطريقة التعامل مع الموظفين. فالمدير قد يكون مصدرًا للإلهام والدعم، وقد يتحول في المقابل إلى مصدر دائم للضغط والإحباط وفقدان الثقة.

قصص واقعية تكشف أخطاء المديرين السيئين وتأثير الإدارة السامة على الموظفين، من الضغط الوظيفي إلى سرقة الإنجازات وتجاهل الحقوق القانونية في بيئة العمل
بقلم/ د. أسامة رمزي - استشاري تنمية وتعليم

وخلال سنوات عملي مررت بمواقف عديدة مع رؤساء ومديرين اختلفت شخصياتهم وأساليبهم. لكن هناك ثلاث تجارب بقيت عالقة في ذاكرتي لأنها علمتني دروسًا مهمة عن الإدارة السامة، والقيادة غير العادلة، وكيف يمكن لبعض المسؤولين أن يسيئوا استخدام السلطة دون أن يدركوا حجم الأثر الذي يتركونه في نفوس الآخرين.

القصة الأولى: رئيسك لن يفعل ما يطلب منك أن تفعله

من أهم المبادئ التي تعلمتها في الحياة المهنية أن القائد الحقيقي لا يطلب من الآخرين ما لا يقبل أن يفعله هو بنفسه.

خلال فترة انتشار جائحة كورونا، كانت المخاوف الصحية تحيط بالجميع، وكان كثير من العاملين يحاولون الموازنة بين أداء واجباتهم المهنية والحفاظ على سلامتهم وسلامة أسرهم.

في تلك الفترة كنت أتعرض لضغوط متزايدة من رؤسائي في العمل من أجل الضغط على الموظفين الذين أشرف عليهم، ودفعهم إلى القيام بمهام وظروف عمل لم يكن من السهل تقبلها في ذلك الوقت.

والمفارقة أن الأشخاص الذين كانوا يطالبونني بممارسة هذا الضغط لم يكونوا موجودين في مواقع العمل أصلًا، بل كانوا يديرون أعمالهم من منازلهم بعيدًا عن المخاطر التي يُطلب من الآخرين تحملها.

هنا بدأت أشعر بتناقض كبير بين ما يُقال وما يُمارس على أرض الواقع.

وبعد فترة من التفكير اتخذت قرارًا صعبًا لكنه كان ضروريًا بالنسبة لي، فقد فضلت ترك العمل والاستقالة على أن أتحول إلى أداة لممارسة ضغوط لا أؤمن بها على زملائي ومرؤوسيّ.

ربما خسرت جزءًا من دخلي في ذلك الوقت، لكنني ربحت شيئًا أكثر أهمية: احترام الذات والقدرة على النظر إلى نفسي دون شعور بالندم.

لقد تعلمت من هذه التجربة أن القيادة الحقيقية تبدأ بالقدوة، وأن المدير الذي يطلب التضحيات من الآخرين بينما يعفي نفسه منها يفقد تدريجيًا احترام فريقه وثقته.

القصة الثانية: اجتهادك ليس دائمًا خبرًا سعيدًا لمديرك

في إحدى المرات حصلت بجهد شخصي على منحة للمشاركة في عمل دولي خارج مصر في إحدى الدول العربية.

كان الأمر بالنسبة لي إنجازًا مهنيًا مهمًا وفرصة لاكتساب خبرات جديدة وتوسيع دائرة العلاقات المهنية.

وعندما أبلغت رئيسي المباشر بالأمر، توقعت منه التهنئة أو التشجيع، لكن ما حدث كان مختلفًا تمامًا.

طلب مني أن أتعامل مع الموضوع بسرية تامة، وأن أكتفي بالحصول على إجازة عادية دون الحديث عن المنحة أو طبيعة المشاركة مع أي شخص داخل المؤسسة.

استغربت الطلب، لكنه كان أول منصب جديد أشغله في ذلك المكان، فظننت أن لديه مبررات تنظيمية لا أعرفها.

مرت الأيام وسافرت وعدت، ثم دار حديث عابر مع أحد العاملين القدامى بالمؤسسة. وعندما أخبرته بما حدث ضحك قائلًا:

"ألا تعرف السبب الحقيقي؟"

ثم أوضح لي أن بعض المديرين لا يسعدهم دائمًا أن يبرز أحد العاملين تحت إشرافهم بصورة مستقلة، لأن ذلك قد يلفت انتباه القيادات العليا إلى إمكاناته وقدراته.

وبالنسبة لبعض الشخصيات الإدارية غير الواثقة من نفسها، فإن الموظف المتميز يمثل تهديدًا أكثر من كونه إضافة.

حينها فهمت ما لم أكن أفهمه سابقًا.

فليست كل المؤسسات تكافئ النجاح بالطريقة نفسها، وليست كل الشخصيات القيادية قادرة على الاحتفاء بإنجازات الآخرين.

تعلمت من هذه التجربة أن المدير الناجح يفتخر بنجاح أفراد فريقه، بينما المدير الضعيف يخشى أن يتجاوزوه أو يلفتوا الأنظار أكثر منه.

القصة الثالثة: عندما يرى بعض المديرين أن الموظف مجرد أداة

من أكثر المواقف التي أثارت دهشتي كان نقاشًا دار بيني وبين صاحبة إحدى المؤسسات حول حقوق الموظفين التي يكفلها القانون.

كان الحديث يدور حول المبادئ الأساسية التي تنظم العلاقة بين صاحب العمل والعامل، ومنها أن إنهاء خدمة الموظف لا يتم بصورة تعسفية، وأن هناك إجراءات قانونية وفترات إخطار تحفظ حقوق جميع الأطراف.

كنت أرى أن هذه الضمانات ليست ضد أصحاب الأعمال، بل إنها تحمي استقرار بيئة العمل وتحقق قدرًا من العدالة والتوازن.

لكن رد الفعل جاء صادمًا.

فقد أبدت استغرابها من وجود قوانين تمنع صاحب العمل من فصل الموظف متى شاء، وتساءلت عن سبب اضطرارها للاستمرار مع شخص لا ترغب في بقائه.

في تلك اللحظة أدركت أن بعض الأشخاص، مهما تحدثوا عن القيم الإنسانية والتنمية والتطوير، قد ينظرون إلى العاملين لديهم باعتبارهم مجرد أدوات يمكن الاستغناء عنها في أي وقت دون مراعاة لظروفهم أو التزاماتهم أو مستقبلهم المهني.

والحقيقة أن القانون لم يوضع لتعقيد حياة أصحاب الأعمال، بل لتنظيم العلاقة بين الطرفين ومنع استغلال السلطة أو التعسف في استخدامها.

فالموظف ليس عبدًا لدى المؤسسة، كما أن صاحب العمل ليس خصمًا للموظف. والعلاقة الصحية تقوم على الاحترام المتبادل والالتزام بالحقوق والواجبات.

ما الذي تعلمته من هذه التجارب؟

رغم قسوة بعض المواقف، فإنها منحتني مجموعة من الدروس المهمة:

  • المدير الحقيقي يقود بالقدوة قبل الأوامر.

  • نجاح الموظف يجب أن يكون مصدر فخر للمؤسسة لا سببًا للخوف.

  • احترام حقوق العاملين ليس تفضلًا من أحد بل واجب قانوني وأخلاقي.

  • السلطة لا تصنع قائدًا ناجحًا، بل تصنعه العدالة والاحترام والكفاءة.

  • بيئة العمل الصحية تقوم على الثقة والتقدير المتبادل لا على الخوف والتهديد.

خاتمة

تكشف هذه القصص الثلاث أن المشكلة في بيئة العمل ليست دائمًا في حجم المهام أو ضغوط الوظيفة، بل كثيرًا ما تكون في أسلوب الإدارة وطريقة التعامل مع البشر.

فالمدير الذي يمارس الضغط بلا قدوة، أو يخفي إنجازات موظفيه، أو يتعامل مع العاملين باعتبارهم أدوات يمكن استبدالها في أي لحظة، يساهم في خلق بيئة عمل سامة تدفع الكفاءات إلى الرحيل وتقتل روح المبادرة والإبداع.

أما المدير الناجح فهو من يدرك أن المؤسسة لا تنمو بالأوامر وحدها، بل تنمو بالاحترام والعدالة والثقة. وعندما يشعر الموظف بالتقدير والأمان والإنصاف، فإنه يصبح أكثر قدرة على العطاء والإنجاز وتحقيق النجاح للجميع.

وفي النهاية، قد ننسى كثيرًا من تفاصيل الوظائف التي عملنا بها، لكننا نادرًا ما ننسى أثر المديرين الذين مروا في حياتنا، سواء كانوا مصدرًا للإلهام أو درسًا قاسيًا نتعلم منه كيف لا نكون.




اقرأ أيضًا




كلمات مفتاحية 

  • مدير سيئ
  • الإدارة السامة
  • بيئة العمل
  • حقوق الموظف
  • الضغط الوظيفي
  • استغلال الموظفين
  • مدير العمل
  • الترقية الوظيفية
  • التنمر الوظيفي
  • العلاقات المهنية
  • قصة موظف مقهور
  • سوء الإدارة
  • العدالة في العمل
  • حقوق العاملين
  • القيادة الإدارية
  • المدير الناجح
  • بيئة العمل الصحية
  • الاستقالة من العمل

#يوميات_موظف_مقهور
#بيئة_العمل
#الإدارة_السيئة
#المدير_السيئ
#القيادة
#الإدارة
#تطوير_مهني
#الحياة_الوظيفية
#ثقافة_العمل
#القهر_الوظيفي
#الظلم_الوظيفي
#خبرات_مهنية
#الموارد_البشرية
#النجاح_المهني
#تنمية_إدارية
#دروس_في_الإدارة
#القيادة_الفعالة
#قصص_إدارية
#علم_النفس_الوظيفي
#د_أسامة_رمزي


تعديل المشاركة
author-img

Bozooor بذور

منصة بذور Bozooor هي منصة ثقافية، تعليمية، وتنموية تهتم بنشر العلم والمعرفة في مختلف المجالات: أدب، تاريخ، جغرافيا، طب، صحة نفسية، لغات، قانون، تأملات... إلخ. وذلك لكل الفئات في مصر والوطن العربي. وتسعى لأن تكون منصة رائدة في الحفاظ على التراث وتوليد المعرفة ونشر الثقافة والعلم، ورفع الوعي بين الشباب والكبار وتعزيز قيم المواطنة، الاحترام والتسامح، العدل والمساواة وعدم التمييز، ومناهضة العنف بكل أشكاله وأنواعه سعيًا نحو الارتقاء بالإنسان المصري والعربي في كل مكان.
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

هنا نستقبل تعليقاتكم وآرائكم
شكرًا لكم

الاسمبريد إلكترونيرسالة