لا تبصق في بئر الرضا... عندما توقظك كلمة عابرة إلى حقيقتك
قد لا تحتاج الحياة إلى أحداث استثنائية حتى تغيّرنا، فربما تكفي كلمة صادقة، أو دعوة خرجت من قلب بسيط، أو موقف عابر يجعل الإنسان يعيد النظر في نفسه، وفي الطريق الذي يسير فيه، وفي معنى الرضا الذي طالما ظنه استسلامًا أو اكتفاءً. في هذه الخاطرة الإنسانية، تصحبنا الكاتبة دعاء أحمد في رحلة تبدأ بيوم عمل عادي يشبه آلاف الأيام، لكنها تنتهي بتأمل عميق في النفس، وفي قيمة الكلمات التي قد تأتي من أشخاص لا نعرفهم، لكنها تترك في أرواحنا أثرًا لا يُنسى.
| بقلم/ دعاء أحمد |
لا تبصق في بئر الرضا - المقال
في محاولة مني لعدم البصق في بئر الرضا، استيقظت باكرًا كعادتي. كنت متثاقلًا قليلًا. من ناحية، لا أريد مفارقة الدفء الذي منحتني إياه غرفتي، فالعالم بالخارج بارد جدًا. يبدو أن كل شيء خارج منازلنا مزعج، ومن ناحية أخرى، ربما أصابني ملل هذا الاعتياد والروتين اليومي.
في نهاية المطاف، لا سبيل سوى الدخول في ملابسك التي تمنحك الأستاذية، والخروج إلى العالم. إنه الطريق الطويل، حيث تلفحك برودة ديسمبر، وتشعر بها حينما تسير بعكس اتجاه الرياح.
لا تبصق في بئر الرضا
ها هم الآباء والأمهات في طريقهم إلى المدرسة بصحبة أولادهم. هذا شاحب الوجه، يبدو أنه ينتظره يوم عصيب. وهذه تمازح أولادها في طريقهم إلى المدرسة كنوع من التربية الإيجابية الحديثة. وهذا يائس، وهذا يأكل الطريق أكلًا في همة ونشاط. والدكاكين تستعد لاستقبال أرزاقها، وأكواب الشاي الساخنة بالمقاهي، وعوادم المطاعم تتصاعد استعدادًا لطلبات الشواء...
نعم... إنها الحياة اليومية التي تجوب العالم كله، والكرة الأرضية كلها...
لنستقبل يومًا عاديًا في العمل، مليئًا بالأوراق والتخطيطات التي لا بأس بها كالعادة.
بدا اليوم هادئًا وعصيبًا في ذات الوقت.
لا تسألني لماذا!
لأنني حينها سأبادر بالرد عليك بأنه سيكون عصيبًا لمن يريد أن ينهي مهامه، ويمر يومه بسلام، وهو داخل الحيط وليس بجانبه.
أتت إلى مسامعي هذه الجملة، والتي تؤرقني حتى هذه اللحظة التي أكتب لك فيها، من هذه السيدة البسيطة، والتي أخذت صفة بساطتها لدي من كونها لا تعرفني، أو أعرفها، أو ربما هي تعرفني -الله أعلم-، ولكن ليس بيننا أي مصلحة.
وقد قالت لي:
"يا أُمِّي..."
وهي طريقة نستخدمها في العموم بإضافة الياء إلى كلمة "أمي"؛ لتخبرني بأنها تحبني، أو بأنها تشعرني بالقرب.
ثم قالت:
"اللي بيسعى للناس ربنا هيجبر بخاطره، ويديه اللي هو عايزه، ويوصله للمكانة اللي يحبها... الله يعليكي."
لقد كنت مشغولة في فحص ومراجعة بعض الأوراق، ولم أركز معها كعادتي البلهاء.
ولكنني سمعتها...
وكانت توجه كلامها لي.
ولم أفهم لماذا فعلت ذلك.
حسبته شيئًا من الثناء عليَّ، وانتهى الأمر...
الغريب في الأمر، أن ما حدث بعدها كان شيئًا لم أفهمه.
فربما كانت رسالة ربانية لم أدركها، ولم أنتبه لها...
انهمرت في البكاء لأسباب غير معلومة... أو ربما معلومة...
لإنسان نسي ماهيته، وما يكون، وما يريد، وما حلم به يومًا.
فهو، مع كل قطعة رضا، كان يقتل جزءًا منه، ثم يحاول إقناع نفسه بعدم البصق في بئر الرضا...
منديلًا ورقيًا تلو الآخر...
فيجب أن نحافظ على صلابة وجوهنا، لكي يرى العالم كم نحن بخير أمامه...
خاتمة
يمضي الإنسان في تفاصيل الحياة اليومية، معتقدًا أن الأيام متشابهة، حتى تأتي لحظة صغيرة تغيّر نظرته إلى نفسه وإلى العالم. وربما لا تكون هذه اللحظة سوى كلمة خرجت بعفوية من قلب صادق، أو دعوة من إنسان بسيط، فتوقظ فينا ما ظننا أنه مات منذ زمن. وبين الرضا والطموح، وبين الصبر والرغبة في تحقيق الأحلام، تبقى الرحلة الحقيقية هي أن يحافظ الإنسان على نفسه، وألا يفقدها وهو يحاول إرضاء الحياة.
اقرأ أيضًا
- ربما أنتظر كل جمعة لعله يرن..
- أغلقت الرواية.. وتركت بطلها يعيش
- العصفور السعيد
- كوكب ثاني... هل فقد الإنسان إنسانيته في عالم اليوم؟
- مقتطفات إنسانية قصيرة
- تأملات في الخوف
- رعب في محطة القطار
- حين يتحول الصيف إلى معركة نجاة
- الأيام العالمية
- الحمامة والقشة
- كوكب ثانٍ... هل فقد الإنسان إنسانيته في عالم اليوم؟
- يستريح الإنسان في كل موطن يشبهه
- الحياة أجمل عندما نعيشها بطريقتنا
- «وكلام».. 12 قصيدة قصيرة جدًا تكشف أسرار الكلمة بين الحب والحكمة والصمت
- العمر ليس مجرد رقم
- حين يتكلم البحر
- أسطورة النسر والأربعين عامًا
- حين يجتمع المسلمون في مكان واحد: ماذا وراء الحج؟
الكلمات المفتاحية
- الرضا
- بئر الرضا
- البحث عن الذات
- خواطر
- تأملات
- الحياة اليومية
- الرضا النفسي
- كلمات مؤثرة
- لا تبصق في بئر الرضا.
- خاطرة عن الرضا في الحياة.
- كلمات تغير حياتك.
- البحث عن الذات وسط الروتين.
- تأملات في الحياة والعمل.
- الرضا والطموح.
- خواطر إنسانية مؤثرة.
- معنى الرضا الحقيقي.
إرسال تعليق
هنا نستقبل تعليقاتكم وآرائكم
شكرًا لكم