U3F1ZWV6ZTE0NjE0NjM0MzkxNTI2X0ZyZWU5MjIwMTc1MTE0MDMx

رُعب في محطة القطار.. قصة قصيرة من واقع الحياة

 رُعب من قلب الواقع.. قصة قصيرة تكشف الوجه القاسي للجوع والفقر
"رُعب" ... قصة من واقع الحياة

مقدمة

ليست كل قصص الرعب تدور حول الأشباح أو البيوت المهجورة أو الكائنات الغامضة، فبعضها يولد في وضح النهار، وسط الزحام، وبين الناس الذين نعبر بجوارهم كل يوم دون أن ننتبه إلى ما يخفونه من معاناة. أحيانًا يكون أكثر المشاهد رعبًا هو ذلك الذي يضعنا وجهًا لوجه أمام قسوة الواقع، ويجعلنا نتساءل إلى أي مدى يمكن أن تدفع الحاجة الإنسان.

في هذه القصة القصيرة، يقدم الكاتب د. أسامة رمزي مشهدًا إنسانيًا مؤلمًا استوحاه من الواقع، ليترك للقارئ مساحة واسعة للتأمل في الفقر والجوع والكرامة الإنسانية، بعيدًا عن أي مبالغة أو افتعال.

رُعب في محطة القطار.. قصة قصيرة من واقع الحياة - "رُعب" ... قصة من واقع الحياة - قصة قصيرة مؤثرة من واقع الحياة تكشف كيف يمكن للفقر والجوع أن يدفعا الإنسان إلى مشاهد تهز القلب والضمير.
بقلم/ د. أسامة رمزي


رُعب... قصة قصيرة من واقع الحياة

بينما أخطو وسط أجساد البشر المتلاحمة والمتخبطة في طريقها للدخول أو الخروج من بوابات محطة القطار، وأنا أحمل في راحتي يديَّ قلبي وعقلي المنهكين من مفاجآت الاضطرار للسفر المتكررة في الآونة الأخيرة، سمعت صوتًا أجشًّا يوقف أحدهم ويطالبه بإبراز بطاقته الشخصية (الهويةويسأله:

"إلى أين أنت ذاهب؟"

ثم طالبه بإخراج هاتفه المحمول، تمامًا كما حكى الكثيرون عن حملات التفتيش الفجائية المنتشرة هذه الأيام بسبب دعوات التظاهر المتتالية. فما كان من الشاب إلا أن انصاع للأمر، وبدأ في إخراج وإبراز كل ما يُطلب منه.

أكملت طريقي غير مكترث بما يحدث، وكل ما فعلته أن أعدت قلبي وعقلي، كلٌّ في مكانه، خوفًا من أن يسقطا أو يضيعا مني وسط زحامٍ ما أشده.

شكرت الله أني لم أكن المقصود بالإيقاف، لأني كنت في عجلةٍ من أمري.

توجهت إلى مكتب التذاكر، واشتريت تذكرة السفر التي أريد سريعًا، وأنا مأخوذ الوجدان وتائه العقل.

ثم، وبعد أن وضعتها في حقيبتي، عدت من طريقٍ آخر لكي أتجنب -بقدر الإمكان- احتمالية أن يتم توقيفي.

وكان طريقي للخروج مارًّا بالكوبري الحديدي المجاور للمحطة، وذلك حين وجدته...

كان جالسًا القرفصاء وحيدًا بجوار أحد الأعمدة المعدنية الضخمة التي تدعم بناء الكوبري.

وبجواره، مفروشًا على الأرض الترابية، كان يضع رغيف خبز دائري الشكل صغير الحجم، بعد أن تم تخفيض وزنه، مثلما تم تخفيض قيمتنا كبشر في المكان.

جذب انتباهي أنه في جلسته كان ينبش التراب.

ظننت أنه يبحث عن شيء ضاع منه.

ولكن حينما دققت النظر فيما يفعل، وفي الرغيف المفترش، ارتعبت.

لقد كان ينبش التراب من أجل استخراج قطع من أصابع البطاطس المقلية المغموسة في التراب.

كان يقوم بنفخها بتؤدة لكي يزيل التراب العالق فيها، ويحول لونها من أسود إلى أصفر مرة ثانية.

فكانت تصير رمادية اللون فقط.

وحين يشعر باليأس من تنظيفها أكثر، كان يقوم برصها في شكل هندسي فوق رغيف الخبز، لكي تغطي قطع البطاطس أكبر مساحة منه.

فهمت من فوري ماذا يفعل، فارتعبت.

حملتني قدماي سريعًا من أجل الهروب من المنظر، خوفًا من رؤية النهاية.

ففي جوف هذا المسكين سوف يستقر بعد قليل هذا الرغيف المغمس بالتراب، وبعض قطع البطاطس التي من المؤكد أن أحدهم قد ألقاها منذ وقت ليس بقليل، وقد تقلبت في التراب واستقرت بجوار العمود، وربما داس عليها من داس، أو ألقى أحدهم عليها بقذارته، قبل أن يكتشفها صاحبنا.

دق قلبي بعنف، وانهمرت الدموع في داخلي غيظًا وألمًا.

وقبضت أصابعي على الحقيبة التي أحملها بشدة، في تعبيرٍ عن الغضب.

ولقد طاردتني الأفكار أننا جميعًا، في يومٍ ما، ونحن نسير بهذه الوتيرة في الأحوال، ومع المزيد من الغلاء، قد نصل إلى القيام بنفس الفعل...

والأقسى، هو أننا قد لا نجد حينها مثل هذا الرغيف من الخبز، ولا مثل هذه القطع من البطاطس الملقاة بإهمال من أحدهم، والذي من المؤكد أنه سوف يكون مشاركًا معنا نفس المصير!

خاتمة

قد تبدو هذه القصة قصيرة في كلماتها، لكنها ثقيلة في معناها، لأنها لا تروي حكاية شخص واحد، بل تضع القارئ أمام سؤال مؤلم عن حدود الفقر، وكرامة الإنسان، والمسؤولية المجتمعية تجاه من دفعتهم الظروف إلى حافة الجوع. فبعض المشاهد لا تُنسى لأنها صادمة فحسب، بل لأنها تكشف واقعًا نخشى جميعًا أن يتكرر، أو أن يصبح يومًا ما جزءًا من حياتنا. وربما يكون أعظم ما تفعله مثل هذه القصص أنها توقظ الضمير، وتذكرنا بأن خلف كل وجه مجهول حكاية تستحق أن تُروى، وأن الرحمة تظل أول ما يحتاجه الإنسان قبل أي شيء آخر.



اقرأ أيضًا




الكلمات المفتاحية

  • قصة قصيرة
  • قصة قصيرة واقعية
  • رعب
  • الفقر
  • الجوع
  • قصص من الواقع
  • قصص إنسانية
  • الواقع المصري
  • الأدب العربي
  • قصة مؤثرة
  • الغلاء
  • الحياة اليومية
#قصة_قصيرة
#قصص_قصيرة
#قصص_واقعية
#الأدب
#الأدب_العربي
#الفقر
#الجوع
#الغلاء
#الواقع
#قصص_إنسانية
#أسامة_الأديب
#مدونة_بذور

#أسامة_رمزي

#د_أسامة_رمزي

تعديل المشاركة
author-img

Bozooor بذور

منصة بذور Bozooor هي منصة ثقافية، تعليمية، وتنموية تهتم بنشر العلم والمعرفة في مختلف المجالات: أدب، تاريخ، جغرافيا، طب، صحة نفسية، لغات، قانون، تأملات... إلخ. وذلك لكل الفئات في مصر والوطن العربي. وتسعى لأن تكون منصة رائدة في الحفاظ على التراث وتوليد المعرفة ونشر الثقافة والعلم، ورفع الوعي بين الشباب والكبار وتعزيز قيم المواطنة، الاحترام والتسامح، العدل والمساواة وعدم التمييز، ومناهضة العنف بكل أشكاله وأنواعه سعيًا نحو الارتقاء بالإنسان المصري والعربي في كل مكان.
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

هنا نستقبل تعليقاتكم وآرائكم
شكرًا لكم

الاسمبريد إلكترونيرسالة