ربما أنتظر كل جمعة لعله يرن.. رثاء مؤثر في رجلٍ عاش بالحب وصلة الرحم
هناك أشخاص لا يرحلون من حياتنا بمجرد غيابهم، بل يظلون حاضرين في تفاصيل الأيام، وفي المواعيد التي اعتدنا انتظارها، وفي الكلمات التي لا تزال تتردد في ذاكرتنا كلما مر الزمن. وفي هذه الكلمات الإنسانية الصادقة، تروي الكاتبة دعاء أحمد ذكرى آخر المكالمات مع أحد أقرب الأشخاص إلى قلبها؛ رجل عرفه الجميع بطيبته، وحرصه على صلة رحمه، وكلماته التي كانت تبعث الطمأنينة في النفوس. إنها ليست مجرد قصة عن الفقد، بل شهادة وفاء ومحبة، وتذكير بقيمة العلاقات الإنسانية التي تترك أثرًا لا يمحوه الزمن.
| بقلم/ دعاء أحمد |
ربما أنتظر كل جمعة لعله يرن..
كان يتخذ من يوم الخميس أو الجمعة عادةً أسبوعية للاطمئنان عليَّ وعلى الأسرة، تبدأ مكالمته بصوته الطيب:
"دودو، حبيبة قلبي، عاملة إيه يا حبيبة قلبي؟ بابا وماما عاملين إيه؟"
ثم يذكر كل الإخوة وأبنائهم، صغارًا وكبارًا، كلًّا باسمه.
"عيال أخواتك مجتمعين حواليكي علشان أنتِ حبوبة يا حبيبة قلبي، تدخلي القلب على طول.. ربنا يحميكي."
"عاملة إيه في شغلك؟ إيه الصور الحلوة والشغل الجميل ده؟ ربنا يوفقك، وأشوفك في أحسن حاجة، وأفرح بيكي."
"دودو.. أهم حاجة دودو، ربنا يفرحنا بيها."
ربما تحدثنا عن الطقس أحيانًا، واختلافه في القاهرة عن الصعيد، وربما تطرقنا في الحديث إلى حال البلاد والعباد. كان حديثه عذبًا راقيًا دائمًا، يشعرني وكأنني أتناول القهوة مع أحد الأدباء والمفكرين، وهو أحب إليَّ.
ربما أنتظر كل جمعة لعله يرن..
هو أيضًا كان يحب الكتب. أذكر أن لديه ركنًا في منزله يضم كتبه، وسجادة الصلاة، ومصحفه الكبير؛ منزله الهادئ بالقاهرة، الذي لا يخلو من صوت الراديو وإذاعة القرآن الكريم.
كان حديثه دائمًا يغمرني بالمحبة، ويشعرني أن العالم ما زال بخير، وأن هناك من الطيبين أمثاله. لم يكن يتحدث عن أي متاعب أو آلام، حتى إنني ظننت أنه يعيش في عالمٍ يخلو من المشكلات، وأنه لا يمرض مثلنا.
وكان يختم مكالمته دائمًا مودعًا بقوله:
"لا إله إلا الله."
ربما أنتظر كل جمعة لعله يرن..
منذ بضعة أيام، أتى إلى الصعيد لحضور مناسبة، فهو لا تفوته مناسبة لأداء واجبه وصلة رحمه، لكنه هذه المرة جاء ليزورنا جميعًا؛ منزلًا منزلًا، وشخصًا شخصًا.
يبدو أنه، لشدة صلته بربه، كان يعرف...
كان وجهه منيرًا كالبدر في ليلة الرابع عشر. لمستُ وجهه البشوش الطاهر بيدي، وعندما انصرفت عنه، تسلل إليَّ هذا الشعور، وسمعت صوتي الداخلي يقول:
"إنها المرة الأخيرة التي سيزور فيها منزلنا."
أبى لساني أن ينطقها؛ حتى لا تحزن أمي، لكنني شعرت أنه الوداع الأخير.
ولا أعلم كيف... ولكن هذا ما حدث.
ربما أنتظر كل جمعة لعله يرن..
ثم عاد إلى القاهرة، وأتاني اتصاله المعتاد يوم الجمعة.
قلت له:
— "صوتك تعبان يعني يا خالي؟"
فأجابني بصوته الهادئ الذي اعتدت أن أستمد منه الطمأنينة:
— "لا يا بابا، أنا زي الفل... أنتِ عاملة إيه؟"
لكن الخوف لم يكن يتركني...
كان هناك شيء ما يهمس في داخلي بأن هذه المكالمة مختلفة، وأنني أتمسك بكل كلمة فيها أكثر من أي وقت مضى.
ولم أكن أعلم أنها ستكون...
المكالمة الأخيرة.
لا أزال حتى الآن لا أصدق.
تمر الأيام، ويأتي يوم الخميس، ثم الجمعة، فأجد نفسي، دون أن أشعر، ألتفت إلى الهاتف.
وربما...
أنتظر كل جمعة لعله يرن.
خاتمة
قد يرحل الأحبة، لكن أصواتهم تبقى عالقة في الذاكرة، وتظل كلماتهم تسكن القلوب وكأنها قيلت بالأمس. هناك أشخاص يمنحون من حولهم الطمأنينة والمحبة دون أن يشعروا، ويتركون بعد رحيلهم فراغًا لا يملؤه شيء، إلا الذكريات الصادقة والدعاء الجميل.
هذه الكلمات ليست مجرد استرجاع لذكرى مكالمة أخيرة، بل هي دعوة لأن نُقدِّر من نحب وهم بيننا، وأن نحرص على صلة الرحم، وأن نعبر عن امتناننا ومشاعرنا قبل أن يصبح اللقاء أمنية، والصوت ذكرى، والانتظار عادة لا تنتهي.
رحم الله كل من ترك في قلوبنا أثرًا طيبًا، وجعل ذكراه نورًا يرافقنا، وجمعنا بمن نحب في جنات النعيم.
اقرأ أيضًا
- أغلقت الرواية.. وتركت بطلها يعيش
- العصفور السعيد
- كوكب ثاني... هل فقد الإنسان إنسانيته في عالم اليوم؟
- مقتطفات إنسانية قصيرة
- تأملات في الخوف
- رعب في محطة القطار
- حين يتحول الصيف إلى معركة نجاة
- الأيام العالمية
- الحمامة والقشة
- كوكب ثانٍ... هل فقد الإنسان إنسانيته في عالم اليوم؟
- يستريح الإنسان في كل موطن يشبهه
- الحياة أجمل عندما نعيشها بطريقتنا
- «وكلام».. 12 قصيدة قصيرة جدًا تكشف أسرار الكلمة بين الحب والحكمة والصمت
- العمر ليس مجرد رقم
- حين يتكلم البحر
- أسطورة النسر والأربعين عامًا
- حين يجتمع المسلمون في مكان واحد: ماذا وراء الحج؟
الكلمات المفتاحية
- صلة الرحم
- آخر مكالمة
- الفقد
- رثاء
- الذكريات
- خواطر
- قصص إنسانية
- الوفاء
- قصة مؤثرة عن الفقد.
- آخر مكالمة قبل الرحيل.
- صلة الرحم وأثرها في الحياة.
- خواطر عن فقدان الأحباب.
- ذكريات لا تموت.
- رثاء مؤثر لشخص عزيز.
- قصص واقعية عن الوداع.
- قيمة التواصل مع الأهل والأقارب.
إرسال تعليق
هنا نستقبل تعليقاتكم وآرائكم
شكرًا لكم