من يوميات موظف مقهور (4): لماذا يخاف بعض المديرين من الموظف الموهوب؟
مقدمة
في الأجزاء السابقة من سلسلة "من يوميات موظف مقهور" تناولت بعض صور النفاق الإداري، وسوء القيادة، والضغوط النفسية التي قد يتعرض لها الموظف داخل بيئة العمل. وهي مواقف قد تبدو فردية في ظاهرها، لكنها تتكرر يوميًا في مؤسسات كثيرة حول العالم بأشكال وصور مختلفة.
ومن أكثر الظواهر المؤلمة التي يواجهها أصحاب الكفاءة والموهبة أن يجدوا أنفسهم مطالبين دائمًا بالعطاء والعمل والإنجاز، بينما تُنسب ثمار جهودهم إلى آخرين يجلسون في الصفوف الأولى ويقطفون النتائج دون أن يشاركوا في صناعة النجاح.
| بقلم/ د. أسامة رمزي - استشاري تنمية وتعليم |
هذه الظاهرة ليست جديدة، بل تكاد تكون قديمة قِدم التاريخ نفسه. وقد وجدت نفسي أتذكر أحد أشهر الحوارات التي تناولتها الأعمال الأدبية والسينمائية المستوحاة من الأساطير الإغريقية، وهو الحوار الذي دار بين البطل الأسطوري "أخيل" والملك "أجاممنون" في قصة حرب طروادة.
ورغم أن القصة تنتمي إلى عالم الأساطير، فإن الكثير من تفاصيلها ما زال يتكرر بصورة أو بأخرى في حياتنا المهنية المعاصرة، حيث يعمل البعض ويضحي ويجتهد، بينما يحصد آخرون المجد والتقدير.
الدرس والعبرة
مع مرور السنوات أدركت أن كثيرًا من المشكلات التي يواجهها الموظفون لا ترتبط فقط بطبيعة العمل أو صعوبته، بل ترتبط أحيانًا بطبيعة الأشخاص الذين يديرون هذا العمل.
فبعض الرؤساء لا ينظرون إلى الموظف المتميز باعتباره إضافة للمؤسسة، بل يرونه تهديدًا لمكانتهم أو نفوذهم. ولذلك يحاولون الاحتفاظ به داخل دائرة مغلقة، والاستفادة من جهده وإنجازاته مع الحرص على ألا يلفت الأنظار أكثر مما ينبغي.
وقد تعلمت هذا الدرس بعد تجارب عديدة جعلتني أعيد التفكير في معنى النجاح الحقيقي، ومعنى التقدير، وأهمية أن يعرف الإنسان قيمته بعيدًا عن تصفيق الآخرين أو تجاهلهم.
قصيدة "كعب أخيل"
وفي عام 2015 كتبت قصيدة بعنوان "كعب أخيل"، استلهمت فكرتها من أسطورة أخيل الشهيرة التي قام بأدائها الممثل براد بيت في فيلم "طروادة" Troy والذي اختلف مع الملك "أجاممنون" قائد قوات التحالف اليونانية التي قامت بغزو مدينة طروادة الحصينة. والقصيدة في الحقيقة لا تتحدث عن الأساطير بقدر ما تتحدث عن واقع العلاقة بين "موظف وأحد أنماط المديرين".
فكم من "أخيل" يولد كل يوم في أماكن العمل المختلفة.
وكم من شخص يمتلك الموهبة والقدرة والاجتهاد.
وكم من إنسان يحقق الانتصارات لغيره ثم يجد نفسه في النهاية مهمشًا أو منسيًا أو مستهدفًا.
ولهذا جاءت القصيدة التالية كتعبير أدبي عن تلك الفكرة.
قصيدة "كعب أخيل"
***
(تصدير)
***
إنها قصيدة
ليست فقط من وحي "الفيلم"
لكنها من وحي الحياة
فكم من أخيلٍ يولد،
وكم من أخيلٍ يموت غدرًا
يا ولداااه!
(1)
و …
يطلبونك
فقط عند حاجتهم إليك
في ساحة الوغي يطلقونك
تحقق انتصاراتك
فإياها يسلبونك
وإليهم ينسبونها
وبعدها… قد يسبونك
هم يعرفون أنك
للقتال عاشق
في ساحة الحرب خالق
لا وقت يهزمك حين تدق الطبول
مروضٌ أنت لكل انواع الخيول
وهم على عروشهم/ كراسيهم
دوماً قابعون
فقط بالنقد … ألسنتهم كالسيول
وفي حديثهم … هم لاذعون
(2)
و…
يطلبونك
لأنهم …
ملوكًا/ رؤساءًا خائبين
لفقدانهم مهاراتك محزونين
-أنت تسأل: متى يقاتل الملوك حروبهم بأنفسهم؟-
هم للمجد دوماً جائعون
على أكتافك، وأكتاف غيرك
للوصول إليه طامعون…
(3)
و…
يطلبونك
آلةً فقط
يعتقدونك
يظنون أن بأمرهم، “تحرك”
أنك تتحرك
“توقف”
أنك تتوقف
هكذا يتمنونك
هم أبدًا ما كانوا يعرفونك
فأنت من ذاتك تسعى للانتصار
تسهر الليل
وتعمل…
طوال النهار
تجد في العمل راحتك،
وغذاؤك،
وفي الانتظار
فرصةً أخرى للعمل
لا وقت للكسل
لا مكان للملل
دائمًا …
هناك أمل
رغم أنهم
بأفكارهم، أفعالهم، ورغباتهم
يحاولون جرك للشلل
إذا ما صار جهدك لك
أو صار جهدك …
ثمرًا بعيدًا عن أياديهم
وعن الـ…
غاصبون …
حتى منه
لا ينالون.
(4)
و …
أجاممنون
ذلك الملك المجنون
لعهدِهِ دومًا يخون
كم من ممالكٍ – بسيفك – جئت بها إليه؟!
كم من مهالكٍ – بسيفك – أبعدتها عنه
وجعلتها سوطًا في يديه؟!
كم من نجاحاتٍ كثيرةٍ
الفضل فيها
يرجع إليك،
فينسبها هو إليه،
رغم أن فيها تشققت
راحتي يديك؟!
دائمًا
هو كالبعوض
يعيش على دمائِك
يشرب من مائِك
ثم يظن أنه
يعلو عليك
فاته
أنه
مِلك ليديك
لو أردت قتله
لقتلته
لَكِّنَّ قتله بيديك
لا شرفَ فيه
فهو ليس ندٌ لك
وهو لا يحاربك
كالرجالِ
مباشرةً
منه إليك
(5)
و …
ها هو باريس
سارق النساء
والأفكار
والمكانة
من حطم الـ "طروادة" بسبب ضعفه
وجبنه
وخسته
وحياته الجبانة
من ارتضى لنفسه بالمهانة
سيقتلك غدرًا
-يا أخيل-
فاحترس
احترس
احترس
ماذا تعني "عقدة أخيل" في بيئة العمل؟
إذا تجاوزنا الجانب الأسطوري في القصة، سنجد أن "أخيل" يرمز إلى الشخص الموهوب والقادر على الإنجاز وتحقيق النتائج.
أما "أجاممنون" فيمثل أحيانًا بعض أنماط القيادة التي تستفيد من جهود الآخرين دون أن تمنحهم التقدير المستحق.
بينما يجسد "باريس" نموذجًا آخر من الشخصيات التي قد تصل إلى مواقع أو مكاسب لا بفضل الجهد أو الكفاءة، بل بوسائل أخرى أقل استحقاقًا.
ولذلك فإن القصيدة لا تتحدث عن شخص بعينه، وإنما عن نمط متكرر نجده في كثير من المؤسسات وبيئات العمل.
المشكلة الحقيقية ليست في النجاح
المفارقة أن أصحاب الكفاءة لا ينزعجون عادة من العمل الشاق أو تحمل المسؤولية.
بل إن كثيرًا منهم يجدون متعة حقيقية في الإنجاز والتطوير والتعلم المستمر.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول النجاح إلى مصدر تهديد في نظر بعض المديرين أو الزملاء.
وعندما يصبح الاجتهاد سببًا للحسد أو التهميش أو محاولات الإقصاء.
وعندما يشعر الموظف أن مجهوده يُستغل دون تقدير حقيقي أو اعتراف منصف.
في هذه اللحظة تبدأ مشاعر الإحباط والتآكل النفسي في الظهور، وقد يفقد الإنسان تدريجيًا حماسه وثقته بالمكان الذي يعمل فيه.
كيف نحمي أنفسنا من هذه التجارب؟
لا يمكننا التحكم في جميع الأشخاص الذين نتعامل معهم، لكن يمكننا أن نتعلم بعض الدروس المهمة:
لا تجعل تقديرك لذاتك مرتبطًا برأي مدير أو منصب.
وثّق إنجازاتك وأعمالك بصورة مهنية.
استمر في تطوير مهاراتك وقدراتك.
لا تسمح للظلم أن يحولك إلى نسخة من الأشخاص الذين آذوك.
ابحث عن بيئات عمل تقدّر الكفاءة وتحترم الإنسان.
فالنجاح الحقيقي لا يقاس فقط بالمناصب أو الألقاب، بل بقدرتك على الحفاظ على قيمك واحترامك لنفسك أثناء رحلتك المهنية.
خاتمة
قد تتغير أسماء الأشخاص والوظائف والمؤسسات، لكن بعض المشاهد تتكرر عبر الأزمنة بصورة تكاد تكون متطابقة. فهناك دائمًا من يعمل في الصفوف الأمامية، وهناك من يحاول أن ينسب الإنجازات لنفسه، وهناك من يخشى بروز الموهوبين أكثر من خوفه على نجاح المؤسسة.
ومن هنا تأتي أهمية الوعي بهذه الأنماط البشرية، ليس من أجل الدخول في صراعات، بل من أجل فهم الواقع والتعامل معه بحكمة ونضج.
وتبقى الرسالة الأهم أن الموهبة الحقيقية والعمل الجاد قد يتعرضان للتجاهل أحيانًا، لكن قيمتهما لا تزول. فالتاريخ المهني للإنسان لا تصنعه المناصب المؤقتة ولا المجاملات العابرة، بل يصنعه ما يقدمه من أثر حقيقي وما يتركه من إنجازات تستمر بعد رحيله.
اقرأ أيضًا
من يوميات موظف مقهور (1): النفاق في بيئة العمل وكيف يسرق المنافقون حقوق المجتهدين.
من يوميات موظف مقهور (2): 3 دروس قاسية تعلمتها من أسوأ المديرين في حياتي المهنية.
من يوميات موظف مقهور (3): كيف تدفع بيئة العمل السامة الموظف إلى الانكسار؟
- فوائد الحب الحقيقي
- مُعضلة العلاقات الإنسانية
- ملخص الفصل الخامس – كونت مونت كريستو
- يوم أفريقيا وحكاية قارة تصنع مستقبلها رغم كل التحديات
- ملخص الفصل الرابع – كونت مونت كريستو
- ملخص الفصل الثالث – كونت مونت كريستو
- تعرف كل شيئ عن: اليوم الدولي للتنوع البيولوجي (Biological Diversity Day)
- الحياة من عدستك الخاصة
- يونيو.. الشهر الذي عبرت فيه الإمبراطوريات وتبدلت فيه خرائط العالم
- شرح وحل النموذج الاسترشادي الثاني في اللغة الإنجليزية للثانوية العامة 2026
- مدينة ملوي: جوهرة المنيا التاريخية وعاصمة الحضارة في جنوب مصر
- التربية والتعليم من خلال الفن
- اليوم العالمي لمكافحة التدخين
- الإيبولا (Ebola): الفيروس القاتل الذي أرعب أفريقيا والعالم
- الصحة النفسية حجر أساس لحياة متوازنة
- لا تسجن نفسك في ذكريات الماضي
كلمات مفتاحية
- بيئة العمل
- استغلال الموظفين
- سرقة الإنجازات
- الإدارة السامة
- موظف مقهور
- المدير السيئ
- القيادة الفاشلة
- التقدير الوظيفي
- أخيل
- كعب أخيل
- طروادة
- تطوير المسار المهني
- العدالة الوظيفية
- النجاح المهني
- العلاقات المهنية
- التنمر الوظيفي
إرسال تعليق
هنا نستقبل تعليقاتكم وآرائكم
شكرًا لكم