المرأة.. معزوفة النور والمدد الإلهي: حين تكون الأنثى بشرى ورحمة
مقدمة: حين تكون الأنثى بشرى
منذ أن خلق الله الإنسان، كانت المرأة جزءًا أصيلًا من مسيرة الحياة والأسرة والمجتمع، وكانت الأم والابنة والأخت والزوجة مصدرًا للحب والرعاية والرحمة.
ومع ذلك، ظلت نظرة المجتمعات إلى الأنثى مختلفة عبر العصور، حتى جاء الإسلام ليؤكد قيمة الإنسان، ويضع للمرأة مكانتها، ويربط التعامل معها بالرحمة والإحسان والرعاية وحفظ الحقوق.
![]() |
| بقلم/ محمد أبو زيد التجاني |
وفي هذا المقال الذي يقدمه على صفحات منصة بذور الشاعر محمد أبو زيد التجاني، نتأمل بعض المعاني المرتبطة بمكانة المرأة والأنثى في التصور الإسلامي، بدءًا من فرحة الميلاد، مرورًا بمعنى القوامة، ووصولًا إلى فضل رعاية البنات والإحسان إليهن.
من قال: يوم واحد يكفي؟
منذ أول لحظة كان ميلادها بشرى ونورًا وفرحًا ومددًا.
قال تعالى:
﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾[النحل: 58]
سبحانه حين قال: «وإذا بُشِّر»، لم يقل: عُلِّم أو رُزق، بل هي البشرى، ولا تبشير إلا بالخير.
وهل هناك أعظم من خير يأتي به الله، وليس في أي صورة، بل في أعظم صور الرزق، في صورة البشرى، والتي لها في النفس الإنسانية من الفرحة ما هو أبلغ في التعبير من أن يقال: خبر سار؟
ويتجلى ذلك في سورة يوسف، في قوله تعالى:
﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾
فكان ميلادها بشرى خير ومدد.
فالأنثى ليست نقصًا، وليست عبئًا، وإنما هي إنسانة لها كرامتها ومكانتها، ووجودها في الأسرة يمكن أن يكون بابًا واسعًا من أبواب الرحمة والمودة والعطاء.
القوامة.. مسؤولية وليست تسلطًا
وقوله تعالى:
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾[النساء: 34]
فالقوامة في اللغة من قام على الشيء، أي حافظ عليه وراعى مصالحه؛ أي القيام على خدمتها ورعايتها، وليس فقط رعاية قاصرة على الأمور المادية، بل رعاية شاملة: مشاعرها، ومصالحها، حتى في وقت الخلاف.
قال تعالى:
﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾[البقرة: 229]
لكن العجيب أن البعض يضيّق الأمر في نظرة مادية بحتة، فيرى أن القوامة تخويف وصوت عالٍ وإنفاق حتى عند الخلاف، وحدث ولا حرج.
انظر: قال عند الخلاف «تسريح بإحسان».
والإحسان من أعظم مقامات العبادة عملًا وقولًا.
فالقوامة ليست استعلاءً، وليست تسلطًا، وليست مبررًا للعنف أو إهانة المرأة، وإنما هي مسؤولية ورعاية وحفظ للحقوق، وكل ذلك يجب أن يكون في إطار المعروف والإحسان.
القوامة في صورتها الإنسانية
وعن تلك القوامة، لنا في السنة النبوية أمثلة كثيرة تؤكد معاني الرحمة والإحسان إلى الأهل والبنات.
فالمعنى الذي ينبغي أن يبقى حاضرًا هو أن الأسرة ليست مجرد التزامات مادية، وإنما هي مشاعر وأمان ورحمة واحتواء.
فالإنفاق مسؤولية، لكن الكلمة الطيبة مسؤولية أيضًا.
والرعاية مسؤولية، لكن الاحتواء مسؤولية كذلك.
والأبوة ليست توفير الطعام والملابس والتعليم فقط، وإنما أن يشعر الابن أو الابنة بأن البيت هو المكان الأكثر أمانًا ورحمة في حياته.
ومن هنا تأتي قيمة الإحسان إلى الأنثى، سواء كانت ابنة أو أختًا أو زوجة أو أمًّا.
فضل البنات.. مدد من الرحمة
وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، ورد:
«مَن كان له ثلاثُ بناتٍ، فصبر على لأوائهنَّ، وضرائهنَّ، وسرائهنَّ، أدخله اللهُ الجنةَ بفضلِ رحمته إيَّاهنَّ»، فقال رجلٌ: أو اثنتانِ يا رسولَ الله؟ قال: «أو اثنتانِ»، فقال رجلٌ: أو واحدةٌ يا رسولَ الله؟ قال: «أو واحدةٌ».
وقد ورد الحديث في مسند أحمد والمستدرك وغيرهما، وحسنه شعيب الأرناؤوط لغيره، مع وجود اختلاف بين أهل الحديث في بعض طرقه وألفاظه.
والمعنى الذي يحمله الحديث واضح في تعظيم مسؤولية رعاية البنات والصبر عليهن والإحسان إليهن.
وهل هناك أعظم من ذلك؟
مدد ميلادها، وفرحتها مدد، ورعايتها وحبها مدد.
المرأة ليست رقمًا في الأسرة
حين نتحدث عن المرأة والأنثى، لا ينبغي أن نحصر الحديث في دور واحد.
فالمرأة قد تكون أمًّا، وقد تكون ابنة، وقد تكون أختًا، وقد تكون زوجة، وقد تكون عالمة أو طبيبة أو معلمة أو مهندسة أو مبدعة أو صاحبة رسالة.
وفي كل هذه الصور، تظل إنسانًا له كرامته ومشاعره وحقوقه.
ولهذا فإن تربية البنات لا ينبغي أن تقوم على الخوف فقط، بل على بناء الشخصية والثقة بالنفس وتعليم المسؤولية والرحمة والقدرة على مواجهة الحياة.
كما أن تربية الأبناء الذكور يجب أن تتضمن تعليمهم احترام المرأة، والرفق بها، ومعرفة أن القوة الحقيقية ليست في رفع الصوت أو فرض السيطرة، وإنما في تحمل المسؤولية وضبط النفس والإحسان.
بين النصوص والمعاملة اليومية
قد يقرأ الإنسان عشرات النصوص التي تتحدث عن الرحمة والإحسان، لكن الاختبار الحقيقي لهذه المعاني يظهر داخل البيت.
كيف تعامل ابنتك عندما تخطئ؟
كيف تتحدث مع زوجتك عندما تختلف معها؟
كيف تحترم أمك عندما تختلف معك؟
وكيف تعلم ابنك أن المرأة ليست أقل قيمة لأنه امرأة؟
هذه التفاصيل اليومية هي التي تحول المبادئ إلى حياة حقيقية.
فليس المقصود أن نتحدث عن مكانة المرأة في الإسلام في المناسبات فقط، وإنما أن تتحول هذه المكانة إلى سلوك يومي.
كلمة طيبة
احترام
احتواء
حوار
رحمة
وإحسان
حين تصبح البنت مصدرًا للرحمة
قد يرى البعض في الماضي أن ولادة الأنثى أمر يدعو للحزن، فجاء القرآن ليكشف قبح هذه النظرة الجاهلية:
﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾
إنها صورة تكشف موقفًا اجتماعيًا كان ينظر إلى الأنثى نظرة دونية، وهي نظرة رفضها القرآن وواجهها بوضوح.
واليوم، قد لا يظهر هذا الرفض بالطريقة نفسها، لكنه يمكن أن يظهر في صور أخرى أكثر خفاءً.
قد يفرح البعض بالولد أكثر من البنت.
وقد يضعون للولد أحلامًا أكبر من أحلام البنت.
وقد يمنحون الابن حرية لا يمنحونها للابنة.
وقد يعتبرون تعليم الولد استثمارًا، بينما يرون تعليم البنت أمرًا ثانويًا.
وهنا نحتاج إلى مراجعة أنفسنا.
فالعدل داخل الأسرة لا يعني التطابق في كل شيء، لكنه يعني أن يحصل كل إنسان على قدره من الكرامة والاحترام والرعاية والفرص المناسبة.
لا تجعلوا الاختلاف سببًا للتمييز
الولد والبنت مختلفان في بعض الخصائص والأدوار، لكن الاختلاف لا يعني الانتقاص.
والأسرة السوية هي التي تستطيع أن ترى الاختلاف باعتباره جزءًا من تنوع الحياة، لا ذريعة للظلم أو الإهانة.
فالبنت تحتاج إلى الحب، والولد يحتاج إلى الحب.
البنت تحتاج إلى التوجيه، والولد يحتاج إلى التوجيه.
البنت تحتاج إلى الشعور بالأمان، والولد يحتاج إلى الشعور بالأمان.
وكلاهما يحتاج إلى أن يعرف أن قيمته لا تتحدد بجنسه، وإنما بما يحمله من إنسانية وأخلاق وقدرة على العطاء.
المرأة.. معزوفة النور والمدد الإلهي
وعندما نتأمل كل هذه المعاني، يمكن أن نفهم لماذا كانت المرأة في حياة الإنسان أكثر من مجرد دور اجتماعي.
هي الأم التي تمنح الحياة معنى.
والابنة التي تملأ البيت فرحًا.
والأخت التي تكون سندًا.
والزوجة التي تشارك شريك حياتها رحلة العمر.
وهي أيضًا الإنسانة التي تحمل أحلامها وطموحاتها وتجاربها الخاصة.
ومن هنا، فإن احترام المرأة ليس مجرد شعار، وإنما ممارسة تبدأ من البيت، ومن الطريقة التي نتعامل بها مع بناتنا وأمهاتنا وزوجاتنا وأخواتنا.
خاتمة: المرأة رحمة ومسؤولية
في النهاية، لا ينبغي أن ننظر إلى المرأة باعتبارها مجرد عنوان لمناسبة أو موضوع للنقاش، بل باعتبارها شريكًا أصيلًا في الحياة والأسرة والمجتمع.
فالمرأة تحتاج إلى الحب، لكنها تحتاج كذلك إلى الاحترام.
وتحتاج إلى الرعاية، لكنها تحتاج أيضًا إلى التقدير.
والبنت تحتاج إلى أن تسمع من أبيها وأمها أنها ليست أقل من أخيها، وأن وجودها ليس عبئًا، وأن أحلامها تستحق أن تُسمع وتُحترم.
وإذا كانت القوامة مسؤولية، فإنها لا تكتمل إلا بالرحمة.
وإذا كانت الأسرة بيتًا، فلا بد أن يكون الأمان أحد أعمدته.
وإذا كانت الأنثى بشرى، فلتكن فرحتها فعلًا مستمرًا، لا مجرد فرحة لحظة الميلاد.
فالمرأة ليست هامشًا في الحياة، بل جزء من نورها، ومن رحمتها، ومن مددها الإنساني والإلهي.
اقرأ أيضًا
- روحانية الصوم.. حين يرتفع الإنسان فوق الجسد والمادة
- لا تشته ما لقريبك... الوصية التي تكشف خفايا القلب وتحمي سلامك النفسي
- كيف كنا وكيف أصبحنا؟
- لماذا أخشى زيارة الطبيب؟
- قانون الفصل بسبب تعاطي المخدرات
- من معاق إلى صاحب قدرات خاصة
- العنف القائم على النوع الاجتماعي
- حين يتحول المرض النفسي إلى ترند
- الوحدة الوطنية في مصر
- حين تغير أم واحدة نظرة مجتمع كامل إلى متلازمة داون
- حماية الطفولة أولاً
- المساواة الجوهرية أم المساواة الشكلية؟
- بيت الطاعة في القانون المصري
- حين يصبح الموت فكرة للهروب
- الأقنعة النفسية
- الصحة النفسية حجر أساس لحياة متوازنة
- لا تسجن نفسك في ذكريات الماضي
- ملخص الفصل الخامس – كونت مونت كريستو
- يوم أفريقيا وحكاية قارة تصنع مستقبلها رغم كل التحديات
- ملخص الفصل الرابع – كونت مونت كريستو
- ملخص الفصل الثالث – كونت مونت كريستو
- تعرف كل شيئ عن: اليوم الدولي للتنوع البيولوجي (Biological Diversity Day)
- هل المرأة ناقصة عقل ودين حقًا؟
- صدمات الطفولة: جروح خفية
- من يوميات موظف مقهور (3)
- من يوميات موظف مقهور (2)
- فوائد الحب الحقيقي
- مُعضلة العلاقات الإنسانية
- من يوميات موظف مقهور (1)
- 25 سلوكًا منفرًا تجعل الناس يبتعدون عنك
الكلمات المفتاحية
#المرأة #مكانة_المرأة #المرأة_في_الإسلام #مكانة_المرأة_في_الإسلام #فضل_المرأة #فضل_البنات #الأنثى #الأنثى_في_الإسلام #القوامة #القوامة_في_الإسلام #حقوق_المرأة #الإحسان_إلى_المرأة #رعاية_المرأة #تربية_البنات #تربية_الأبناء #الأسرة #الأسرة_في_الإسلام #الرحمة #الإحسان #الحياة_الأسرية #المرأة_والأسرة #البنات #الأم #الزوجة #الابنة #الدين_والحياة #القضايا_المجتمعية #بذور #منصة_بذور

إرسال تعليق
هنا نستقبل تعليقاتكم وآرائكم
شكرًا لكم