التاجر اليهودي في الأدب العالمي: كيف قدّم شكسبير وأرثر ميللر هذه الشخصية الدرامية؟
مقدمة
كيف قدّم الأدب العالمي شخصية التاجر اليهودي؟ وهل بقيت هذه الشخصية ثابتة عبر العصور، أم تغيّرت بتغيّر البيئات والثقافات والاتجاهات الفكرية؟
يُعد هذا المقال دراسة نقدية كتبها الكاتب د. أسامة رمزي عام 1998، في فترة دراسته للأدب الإنجليزي بكلية الآداب، حيث يقارن بين معالجة ويليام شكسبير في مسرحية تاجر البندقية، ومعالجة أرثر ميللر في مسرحية "الثمن". ولا يهدف المقال إلى إصدار أحكام على جماعة أو ديانة بعينها، وإنما يتناول الكيفية التي صوّر بها الأدب العالمي هذه الشخصية الدرامية في سياقاتها التاريخية والفنية المختلفة، مع تقديم قراءة نقدية للنصوص كما وردت في أعمال أصحابها.
| بقلم/ د. أسامة رمزي |
الأدب العالمي وشخصية التاجر اليهودي
شخصية التاجر اليهودي عند كتاب الدراما العالمية: شيكسبير وأرثر ميللر
قمت بكتابة هذا المقال في السنوات الأخيرة من القرن العشرين حين كنت أدرس الأدب الإنجليزي، وأقرأ بنهم في الأدب العالمي، وأقارن بين كتاب العصور الوسطى وكتاب العصور الحديثة. وكان من ضمن من قرأت ودرست أعمالهم في الجامعة، بكلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية، في مادة الدراما، كتابات ومؤلفات الكاتب الإنجليزي الأشهر على الإطلاق ويليام شكسبير.
وكنت أقرأ أعماله باللغة الإنجليزية، وأقرأ شروحًا ونقدًا لها جنبًا إلى جنب مع قراءة أعماله مترجمة لأشهر المترجمين، وعلى رأسهم الكاتب والمترجم د. لويس عوض ود. محمد عناني. كما قرأت ترجمة أعتبرها ترجمة ركيكة لقصائد شكسبير القصيرة المعروفة باسم السونيتات (The Sonnets) للمترجم د. بدر توفيق، مما دفعني لمحاولة ترجمة هذه السونيتات بنفسي أثناء الدراسة الجامعية. لكن بعد التخرج والانشغال بالعمل تضاءل الحماس، وإن كانت الفكرة لا تزال تراودني، وقد أنشر بعض ترجماتي لبعض هذه السونيتات الرائعة مستقبلًا بإذن الله على صفحات منصة بذور.
أرثر ميللر
أيضًا، ولغرض الدراسة، فقد قرأت ودرست أشهر مسرحية للكاتب المسرحي الأمريكي أرثر ميللر، وهي مسرحية موت بائع متجول (Death of a Salesman)، تلك المسرحية التي قدّمت رؤية عميقة لما قد يؤدي إليه الإيمان المطلق بما يسمى "الحلم الأمريكي"، والمتمثل في إمكانية الثراء السريع في أرض الفرص والأحلام.
لكن ما سنتناوله هنا ليس هذه المسرحية، بل شخصية تاجر يهودي كتب عنها أرثر ميللر في مسرحية مختلفة اسمها الثمن (The Price)، كنت قد قرأتها في إحدى المكتبات العامة، ونقلت منها بخط اليد بعض الأجزاء، ولم أمتلك نسخة منها، لا بالعربية ولا بالإنجليزية، حتى اليوم. وأشك في أنني لو عدت إلى المكتبة نفسها الآن سأجد نسخة منها، لأن ذلك كان منذ أكثر من ربع قرن.
شخصية التاجر اليهودي في الأدب العالمي
فماذا عن شخصية التاجر اليهودي كما رصدها ويليام شكسبير في عصر مضى؟ وكيف عاد إليها الكاتب الأمريكي أرثر ميللر بعد قرون في سياق مختلف؟
هذا ما أقدمه في هذا المقال، كما كتبته قبل أكثر من ربع قرن، حين كنت أقارن بين نصوص الأدب العالمي بحماس الطالب وشغفه.
شخصية التاجر اليهودي في الأدب العالمي
إن القارئ المدقق للكتابات العالمية لا يمكنه أن ينسى شخصية شايلوك في مسرحية تاجر البندقية (The Merchant of Venice)، تلك الشخصية التي رسمها ويليام شكسبير، والتي تمثل تاجرًا يهوديًا يقرض الأموال بالربا، ويشترط على التاجر أنطونيو، في حال عدم سداد الدين، أن يحصل على رطل من لحمه.
وهذه الشخصية توضح الصورة الذهنية التي كانت سائدة لدى كثير من الأوروبيين في ذلك العصر عندما تُذكر كلمة "يهودي". فهو بالنسبة لهم تاجر، ومرابٍ، وشديد التمسك بالعقود، ولا يعرف الرحمة.
ورغم أن شكسبير منح الشخصية أبعادًا إنسانية دفعت بعض القراء إلى التعاطف معها في مشهد المحاكمة الشهير، فإن النهاية تكشف كيف انتهى شايلوك خاسرًا بسبب الجشع والكراهية.
كُتّاب آخرون في عصر شكسبير
لم يكن شكسبير وحده من قدّم هذه الصورة، فقد سبقه الكاتب الإنجليزي كريستوفر مارلو في مسرحية يهودي مالطا (The Jew of Malta)، التي جاءت صورتها أكثر قسوة وعدائية، وهو ما يعكس جانبًا من التصورات الأدبية والثقافية السائدة آنذاك.
الشخصية اليهودية في كتابات عالمنا المعاصر
وعلى الرغم من ظهور علماء ومفكرين يهود بارزين في العصر الحديث، مثل ألبرت آينشتاين وسيغموند فرويد وفرانز كافكا، فإن بعض الأعمال الأدبية الحديثة استمرت في استدعاء صورة التاجر اليهودي، وإن بصورة أكثر تعقيدًا، كما نجد في مسرحية الثمن لأرثر ميللر.
من هو أرثر ميللر؟
أرثر ميللر كاتب مسرحي أمريكي وُلد عام 1915، ومن أشهر أعماله:
- كل أولادي
- الرجل الذي تمتع بكل الحظ
- مشهد من الجسر
- مصرع بائع متجول
- الثمن
وقد تزوج لفترة من الممثلة الأمريكية الشهيرة مارلين مونرو.
سولومون
ففي مسرحيته "الثمن" تتجلى شخصية اليهودي، التاجر أيضًا، حيث يفاجئنا منذ كلماته الأولى على المسرح،
فيكتور (الشقيق الأكبر في المسرحية والذي يعمل شرطيًا ويرغب في بيع أثاث بيت عائلته القديم/ الميراث)
هل يمكن أن أقدم لك كوبًا من الماء؟ (يرفض التاجر سولومون بإشارة من يده)أستر (زوجة فيكتور): لماذا لا تجلس؟
سولومون (تاجر يهودي من أصل روسي): الماء لا أحتاج إليه، ولكن أحتاج إلى بعض الدماء… شكرًا.
فعلى الرغم مما قد يكون القصد من كلمة دماء هنا، إلا أنها تثير الفزع والاشمئزاز،،، والخيال أيضًا. حيث يُصَوَّر مباشرةً في الذهن هذا التاجر اليهودي الروسي الأصل على هيئة "مصاص دماء". وهو هنا يعمل تاجرًا للأثاث القديم، وله فلسفته الخاصة التي يعلنها بقوله،
سولومون:… في الحديث عن الأثاث المستعمل لا يمكنك أن تكون عاطفيًا.
هذا بينما الأصل في مثل هذه المواقف أن الأثاث القديم له قيمته عند أصحابه الذين يقدرونه بما يمدهم به من ذكريات خاصة. وأحلام كانوا يحلمون بها في أيام الصبا والشباب، وأيضًا بقيمته عندما تم شرائه ومدى ما يمكن أن يكون قد ارتفع إليه الثمن في وقتهم الحاضر. خصوصًا وان هذا الأثاث حديث الموقف هو أثاث من طراز يمكن اعتباره تحفة. فإذا بسولومون وهم يتجادلون حول الثمن يقول لهم،
سولومون:… يا ولدي! الثمن لم يتغير منذ أن دخلت هذا البيت.
وبعد أن يستدرج فيكتور (الشقيق الأكبر الشرطي) حتى يوافق على الثمن الذي حدده هو (التاجر). وذلك بعد أن يلعب معه لعبة (فرق تسد) بينه وبين شقيقه الأصغر (والتر الذي يعمل طبيبًا). والغائب عن هذا المجلس في هذه اللحظة خلال عملية البيع، وسولومون يقول،
سولومون:… لا تنزعج، سوف أكتب لك إيصالاً بأن السعر 600 دولار فقط… ولم لا؟ لقد أخذ منك… فلماذا لا تأخذ منه؟
حضور الأخ الأصغر "والتر"
وعندما يحضر والتر (الطبيب) فجأة ويبدي بعض الحنين الذي يشكك في نيته للموافقة على عملية البيع ذاتها. يبدأ مرة أخرى سولومون في لعبة (فرق تسد) بين الأخوين الأثنين… ويقول أخيرًا،
سولومون (موجهًا حديثه للأخوين)...:
وبينكما أنتما الأثنين لا أحد يفعل للأخر أي معروف
حتى أن الطبيب الشاب (الأخ الأصغر) قال له في نهاية المسرحية بعد أن نجح التاجر في لعبته،
والتر:… استمر أيها العجوز المحنك… اسرقهم سرقة عمياء، فإنهم يحبونك لذلك.
وبعد إتمام عملية البيع ينظر التاجر للأثاث القديم التحفة الذي ظفر به ويقول،
سولومون:… من يصدق أنني أبدأ العمل من جديد.. ولكني أذهب فأمامي هنا عمل كثير…
تفسير معاصر للمسرحية على ضوء الأحداث في نهاية القرن العشرين
وهنا، قد يتسائل المرء قائلا: لماذا لا يكون الأثاث القديم المراد بيعه هو رمز يقصد به أرثر ميللر العالم القديم؟ الشرق وقلبه على وجه التحديد؟ فالأثاث قديم ومتهالك، ومن يشتريه يهودي (على الرغم من كونه من أصول روسية. في أمر قد يمكن تفسيره في ضوء الصراع الذي كان سائدًا ولا يزال بين أمريكا وروسيا وفي ضوء الحرب الباردة وكراهية كل نظام وشعب للأخر وتنافسهم).
والابن الأكبر الشرطي قد يرمز إلى شرطي العالم، اللقب الذي تم إطلاقه على أمريكا. وهو الابن الذي يود البيع (ويحمي التاجر الذي يشتري في ذات الوقت). كما أنه هو الذي يسلم الأثاث الموروث لليهودي بالثمن الذي يدفعه مهما كان ضئيلاً. وهو متعاطف وحامي للتاجر أيضًا.
بينما الأخ الأصغر هو طبيب وعالم، ربما يشير إلى القارة الأخرى الأصغر والمتقدمة، قارة أوروبا. وقد ابتعدت عن أبيها بعقلانيتها التي هي عادةً ما تناهض الإيمان الغيبي. مثلما ابتعد الابن الأصغر (والتر) وقد ترك أبيه في محنته واتجه للدراسة وتحصيل العلم حتى تخرج من الجامعة وعمل وأصبح غنيًا ونسى أخيه، بل قل أنه تناساه.
وهذه هي الحقيقة التي التقطها التاجر والتي عن طريقها نجح في التفرقة بين الأخوين. وقد خدمته الظروف لكي يحصل هو على الأثاث التحفة بثمن بخس… فالثمن كان لا شيئ، أو ربما هو كان شيئًا أفظع. ألا وهو الإحساس بعدم وجود أية جدوى لكل ما تم بذله من تضحيات في إطار الأسرة… الثمن كان اهتزاز الإيمان حتى بوجود هذه التضحيات من الأساس والشك فيها.
قراءات وتفسيرات كثيرة يقدمها هذا النص الأمريكي، وهي تفسيرات تدل على مدى عمقه. واختلافه عن الشكل المباشر الذي كان يتم تقديم الشخصيات به في النصوص والأعمال التراثية القديمة.
أخيرًا،،،
أتمنى أن أكون قد ألقيت الضوء على جزء ضئيل مما قدمه الأدب العالمي في عصرين مختلفين حول شخصية التاجر اليهودي. وكم من شخصيات قدمها الأدب والفن على مر العصور، وربما أقوم مستقبلاً بالكتابة عن نفس الشخصية في الدراما والسينما المصرية والعربية. في عصر من المفترض أننا نتمتع فيه بحرية التعبير دون الإساءة إلى أحد. ودون أن يعاني الكُتَّاب حول الشخصيات المختلفة من اتهامات ما مثل الاتهام القديم الذي كان مسلطًا على أقلام الكُتَّاب. ألا وهو الاتهام بمعاداة السامية، فليذهبوا إلى شيكسبير وإلى أرثر ميللر وغيرهما ليسألونهم عن هذه الشخصيات إذن.
خاتمة
تكمن قيمة هذا المقال في أنه يمثل قراءة نقدية لنصوص أدبية عالمية كُتبت في سياقات تاريخية مختلفة، ويعكس رؤية طالب للأدب الإنجليزي في نهاية القرن العشرين وهو يقارن بين أعمال شكسبير وأرثر ميللر، محاولًا فهم تطور بناء الشخصيات الدرامية وأساليب تقديمها.
كما يذكّرنا بأن الأدب لا يُقرأ بمعزل عن زمنه، وأن الشخصيات الأدبية ليست دائمًا انعكاسًا للواقع، بل قد تكون نتاجًا لظروف اجتماعية وثقافية وفكرية عاشها مؤلفوها. ومن هنا تأتي أهمية القراءة النقدية الواعية التي تضع النص في سياقه التاريخي، وتفرّق بين العمل الأدبي بوصفه إنتاجًا فنيًا وبين الأحكام العامة على الشعوب أو الجماعات.
ويبقى الأدب العالمي مساحة للحوار والتأمل، تتيح لنا فهم تطور الأفكار والصور الذهنية عبر العصور، وتدعونا إلى قراءة النصوص بعين الباحث، لا بعين الأحكام المسبقة.
اقرأ أيضًا
- وداعًا للخائنة (قصيدة شعر مترجمة)
- خطاوي الحكايات
- غول الذكريات
- قصيدة "بص في ورقتك"
- إعادة نظر
- عيناك الصيف
- ده طيب... سيبك منه
- قصيدة "لا تقاوم"
- بيني وبينكم سور
- "وكلام"... 12 قصيدة قصيرة جدًا
- سياسة الخصوصية
- اتصل بنا
- لا تسجن نفسك في ذكريات الماضي
- ملخص الفصل الثاني – كونت مونت كريستو
- هو مين اللي مات
- ملخص الفصل الأول – كونت مونت كريستو
- ملخص الفصل الخامس – كونت مونت كريستو
- يوم أفريقيا وحكاية قارة تصنع مستقبلها رغم كل التحديات
- ملخص الفصل الرابع – كونت مونت كريستو
- ملخص الفصل الثالث – كونت مونت كريستو
- تعرف كل شيئ عن: اليوم الدولي للتنوع البيولوجي (Biological Diversity Day)
- ملخص رواية ترنيمة عيد الميلاد (A Christmas Carol) – تشارلز ديكنز والدروس المستفادة
- ملخص الفصل السابع – الهروب إلى الحرية
- الحمامة والقشة
الكلمات المفتاحية
- التاجر اليهودي
- الأدب العالمي
- تاجر البندقية
- شايلوك
- ويليام شكسبير
- أرثر ميللر
- مسرحية الثمن
- الأدب الإنجليزي
- النقد الأدبي
- الدراما العالمية
- شخصية التاجر اليهودي في الأدب العالمي
- تحليل شخصية شايلوك
- مقارنة بين شكسبير وأرثر ميللر
- تحليل مسرحية تاجر البندقية
- شخصية سولومون في مسرحية الثمن
- صورة اليهودي في المسرح العالمي
- النقد الأدبي المقارن
- تحليل الدراما العالمية
إرسال تعليق
هنا نستقبل تعليقاتكم وآرائكم
شكرًا لكم